ابن رضوان المالقي
265
الشهب اللامعة في السياسة النافعة
الحسن ، قدس اللّه ثراه ، وقد حضرت يوما بين يديه لمجلسه العلي من مشورة بمنصورة تلمسان ، فاستدعى صاحب أشغاله القبائلي رحمه اللّه ، وكان نص كلامه : القبائلي . فكان بالقرب « 38 » أحد الفتيان الصغار ، فقال مسمعا للكلام : القبائلي ، فنظر إليه مولانا رحمه اللّه تعالى ، وأراد أن يقول شيئا ، ثم أمسك حتى قرب صاحب الأشغال ، بحيث يسمع كلامه ثم قال للفتى الصغير : كيف يا فاعل نقول نحن القبائلي ، وتقول أنت كذلك ، إنما يقول مثلك سيدي على القبائلي ، فما فرغ من كلامه إلا وصاحب الأشغال قد سمع الكلام ، وأكب على تقبيل البساط شكرا ، وظهر عليه من السرور ما لو أعطي ملء الأرض ذهبا وفضة ما بلغ عنده السرور به قدر ذلك . وهذا من الكلام الذي لا أحسن منه . قلت : وتذكرت من كلامه الحسن في معناه ، البليغ في مغزاه ، المالك للنفوس بما أولاه ، ما أخبرني به شيخنا الخطيب الشهير أبو القاسم ابن جزي رحمه اللّه ، مقدمه « 39 » علينا ، عائدا من المغرب ، في رسالة كان توجه فيها مع بعض أفاضل أهل الأندلس عن سلطانها « 40 » ، فشنف الاسماع بما عاينه بحضرة « 41 » مولانا المقدس أبي الحسن رحمه اللّه من محاسن الدين والدنيا وعطر الأندية بالثناء على تلك المعالي العظيمة الفخر ، الشهيرة الذكر ، وكان مما أخبرنا به ، أنه لما أرادوا على حضرته العالية ، أكرم نزلهم « 42 » ، وأكمل أملهم ، وأنجح فيما قصدوه قولهم وعملهم ، ثم أنهم دخلوا عليه شاكرين لاحسانه ، وحامدين لحالهم عنده ، ولما فرغوا مما أرادوه في ذلك ؛ أشاروا إلى طول مقامهم ، وتشوفهم إلى الوداع « 43 » . فقال لهم رحمه اللّه ورضي عنه ، ما معناه : إنهم إنما أطال مقامهم للاغتباط بهم ، والمبالغة في برهم ، ثم قال : أنتم لم تطلبوا « 44 » الوداع ، ونحن لا يسهل علينا فراق أمثالكم ، وأيضا فليس من الحسن أن يصرف الضيف ، حتّى ينصرف على تخيره ، وهذا من أحسن ما سمعته من القول في هذا المعنى . فو اللّه لقد غرس به المحبة في قلوب المخاطبين
--> ( 38 ) ج : بقرب ( 39 ) ق : فقدمه ( 40 ) د : سلطانه ( 41 ) ج : من حضرة السلطان ( 42 ) ا ، ب ، د : منزلهم ( 43 ) د : للوداع ( 44 ) د : لا